محمد جواد مغنية

347

في ظلال نهج البلاغة

القتال نادما ، وبقي طلحة في صاحة القتال ينادي ويقول : عباد اللَّه الصبر الصبر ، فإن بعد الصبر النصر والأجر - كما في شرح ابن أبي الحديد - ومعنى هذا أن كلا منهما كان يزري بصاحبه : هذا بما فعل ، وذاك بما ترك . ( واللَّه لئن أصابوا - إلى - على هذا ) . لو أن الرئاسة انحصرت بواحد من الاثنين بلا تعيين لقامت الحرب بينهما ولم تقعد ، وصمم كل منهما على قتل صاحبه لا يرده عنه شيء ( قد قامت الفئة الباغية ) وهي الناكثون وأتباعهم ( فأين المحتسبون ) الراغبون في مرضاة اللَّه يجاهدون هذه الفئة الناكثة للعهد ( فقد سنت لهم السنن ، وقدّم لهم الخبر ) . الضمير في « لهم » للمحتسبين أي من أراد ثواب اللَّه فهذا طريقه ، وهو جهاد أصحاب الجمل البغاة ، والخبر إشارة إلى قول النبي ( ص ) للإمام : تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين ( ولكل ضلة علة ) يتعلل بها الضال ، ويبرر ضلاله وإفساده ، وقد تعلل أصحاب الجمل وصفين بدم عثمان . . وسبق في الخطبة 135 قول الإمام : « انهم ليطلبون حقا هم تركوه ، ودما هم سفكوه » ( ولكل ناكث شبهة ) ولكن أصحاب الجمل نكثوا بلا شبهة لأن حق الإمام لا يقبل الشك ، ومع التسليم - جدلا - بأنهم اشتبهوا فإن الدماء تحقن بالشبهات ، وقد أباح أصحاب الجمل دماء المسلمين ، وأثاروا الفتن إلى قيام يوم الدين . ( واللَّه لا أكون إلخ ) . . جاء في تاريخ ابن الأثير : « إن عائشة والزبير وطلحة قدموا إلى البصرة خارجين على علي ، وقاتلوا عامله عليها ، وهو عثمان بن حنيف ، وأكثروا القتل في أصحابه ، ومنهم حكيم بن جبلة العبدي ، وأسروا عثمان ، واستشاروا عائشة في أمره ، فقالت : اقتلوه . فناشدتها امرأة ، وقالت : اللَّه في دم عثمان وصحبته لرسول اللَّه ( ص ) فأمرت بحبسه ، فقال مجاشع بن مسعود : اضربوه وانتفوا لحيته وأشفار عينيه . فضربوه أربعين سوطا ، ونتفوا لحيته وحاجبيه وأشفار عينيه وحبسوه على مرأى من أم المؤمنين » . ولما أخبر الإمام بذلك قال : ( واللَّه لا أكون كمستمع اللدم يسمع الناعي ويحضر الباكي ، ثم لا يعتبر ) . كيف أسكت عن أصحاب الجمل ، وقد مثّلوا ونكَّلوا بعاملي ، وقتلوا العديد من المسلمين ظلما وعدوانا ، ولو سكتّ ووهنت لكنت كمن يسمع صوت الناعي ينعى المقتولين ظلما ، ويرى البكاء واللطم عليهم ثم لا يحرك ساكنا . وأي عذر لي عند اللَّه ان تجاهلت وأهملت .